التستر التجاري وحلوله التشريعية العاجزة
عبد الله بن محمد العويس - الدوادمي
لا شك أن أكبر مشكلة تواجه الاقتصاد السعودي هي التستر التجاري، وقرينته المحاذية تلك العمالة السائبة ذات العنان المطلق وما لها من إخلال بالأمن، فكثرة السرقات وظهور مستنقعات الرذيلة بين الحين والآخر إنما هي نتاج الحصول على التأشيرات العمالية دونما حاجة فعلية، فلو أننا تأملنا بكل صدق وشفافية ووضوح في الوضع القائم تجاه الأرتال البشرية من العمالة وهي تجوب الشوارع لوجدنا أن السبب الرئيس في ذلك هو (المواطن) الذي لم يستغل المزايا التي منحتها له دولتنا الرشيدة - أعزها الله - بما يتفق مع حاجته القائمة ويحقق آمال وطموحات معالي الوزير لمواكبة مصلحة الوطن، حيث من البديهي أنه كلما ازداد التدفق العمالي للداخل فإنه بالمقابل يزداد استنزاف الاقتصاد للخارج عن طريق المتسترين ولا سيما أولئك الذين يقومون بتمكين مكفوليهم من ممارسة النشاط التجاري الذي هو محظور عليهم ممارسته والاستثمار فيه سواء كان هذا تحت مظلة استخدام اسم الكفيل أو سجله التجاري أو ترخيص والأغرب من ذلك وجود المحل التجاري باسم شخص وكفالة العمال باسم شخص آخر وغير ذلك من الطرق الملتوية التي ظاهرها النظام وباطنها التلاعب بواجب الوطنية في إضفاء الستار لإخفاء عبور الاقتصاد للخارج مقابل ثمن زهيد يدفعه المكفول للمتستر مزدرياً في داخله هشاشة وطنية عندما يرى الكفيل متمايلاً على أنظمة بلده بالأوراق الوهمية، فأين كل ذي نفس ضعيفة عن نظام مكافحة التستر الذي نشرته وزارة التجارة والصناعة على موقعها، ألا يعلم أن مشكلة التستر ذلك الداء العضال أمام الاقتصاد هي الفريدة من نوعها وتتطلب وقفات حازمة وأنظمة صارمة من المختصين وتعاوناً وتفاعلاً من المواطنين للقضاء على تلك المعضلة التي تجد ضالتها في كل نفس ضعيفة.
ومن نافلة القول.. إنه قد يندر وجود التستر في الدول الأخرى وإن وجد ففي نطاق ضيق وحالات محدودة لدى من تجرؤوا على التنازل عن حقوقهم الوطنية وعدم الالتزام الأدبي وإعلاء المصلحة العامة في تلك الدول وبالتالي فإن العقوبات الرادعة الكفيلة بإعادتهم إلى جادة الصواب هي لهم بالمرصاد.
وفي بلادنا الغالية يكمن حل مشكلة التستر في تفعيل الرادع النظامي للالتزام الأدبي تجاه شريحة من المواطنين رضوا بأن تزدان أسواق المدن بأسمائهم على واجهات المحلات التجارية والمهنية والحرفية والتي ليس لهم منها سوى ذلك الاسم الجذاب الذي تم بيعه بجزء يسير جداً من إيرادات تلك المنشأة أو المنشآت التجارية المتنوعة أما الإيرادات الحقيقية فهي متروكة لتفسرها الأرقام الفلكية من خلال الحوالات البنكية التي تُضخ إلى بلدان المكفولين.
ووقتئذٍ كيف نستغرب بقاء العامل لسنوات طويلة دون سفر وما ذاك إلا لمصلحته وشدة حرصه على إدارة أعماله في مناشطه التجارية تحت مظلة التستر، ومما ألحظه كغيري في الدوادمي تلك المحافظة المزدهرة عمرانياً وتجارياً كثرة العمالة طليقة العنان فضلاً عن الأخرى التي تزاول التجارة حيث أخذت تتداعى لها بغض النظر عن مقرات إقامة كفلائهم!!
فتكون بداية مشواره في التجارة الحصول على محل تجاري ذي مساحة صغيرة هروباً من شرط السعودة التي هي الشبح المخيف أمام الوافد المبتدئ في مزاولة التجارة، وقد نتج عن ذلك ارتفاع أسعار إيجارات المحلات التجارية وتلك عقبة كئود تحطمت عليها آمال شباب المحافظة الراغبين في العمل التجاري سواء من خريجي الكلية التقنية أو المعاهد المهنية، وبالمناسبة فإنني أشيد بالضوابط المتبعة في مزاينات الإبل حيث إن الملكية الفعلية هي القاسم المشترك مع موضوعنا، عندما يستحلفون بالله صاحب القطيع بأنه يمتلكه شخصياً دونما شريك، وما ذاك إلا لقطع الشكوك وإحقاق الحق للمستحق، فلو تم تطبيق ذلك كجزء من الضوابط تجاه المحلات التجارية التي تحوم الشكوك حول عدم نظاميتها من حيث حقيقة التملك وليس مجرد الأوراق الصورية التي لا تعكس الواقع.
لذا فإنني أرى والرأي السديد والموفق لأهل الرأي والقرار، بأنه لو تم الأخذ بالاعتبار تعزيز مكاتب العمل بضعة أشهر بالعدد الكافي من المفتشين المتمرسين في هذا الجانب، وأملنا كبير في معالي وزير العمل وذلك الرجل الذي عرفناه حازماً مخلصاً صادقاً منذ كان وزيراً للصحة، وما ذلك إلا لإعادة المحلات التجارية المخالفة إلى أوضاعها الحقيقية، احتراماً للأنظمة وحفاظاً على الاقتصاد وإفساحاً للمجال أمام أبناء الوطن الغالي.