|
النظام السياسي عند قبيلة عربية - نهد - للمؤلف جون هارتلي 2
في الباب الثالث من كتاب النظام السياسي لقبيلة عربية من حضرموت ( نهد ) للباحث الانجليزي جون هارتلي نستعرض ماجاء تحت عنوان:
( المجتمع السياسي )
تحدث المؤلف في هذا الباب عن الكيان القبلي لنهد واستعرض مفهوم ومدلول كلمة القبيلة وقال (( إن كلمة قبيلة في اللغة العربية يمكن أن تعني في بعض المناسبات ( ناس ) وهو حقيقة أحد معانيها الأساسية، ولكني اخترت أن أحذو حذو الكتاب في الشرق الأوسط العربي بأن استخدم مصطلح القبيلة بمعنى مجتمع قانوني غير محدد بهيبته وعاداته ونظامه القضائي وغير ذلك. ونهد مجتمع من ذلك النوع )).
وخلال فترة دراسته لقبيلة نهد استخلص أن قبيلة نهد تعرّف مفهوم القبيلة من زاوية القوة السياسية كمجموعة يمكنها خوض الحرب وعقد الهدنة وإرساء السلام مع الجماعات المماثلة، ويستنتج المؤلف أن القبيلة هي تعبير عن الإمكانيات السياسية وليس القرابة والنسب ، ويأتي الاهتمام بصلات القربى والنسب فقط عند تناول وضع القبيلة والعلاقات بالمجموعات الأخرى، (( ويقال أن الانتماء إلى القبيلة يكون بالنسب، وبالمثل فإنه يشار إلى الجماعات القبلية التي تربطها علاقات ودية أو أحلاف بأنهم ( أقارب منتسبون إلى جد واحد أو أنهم بيت واحد ) .. )).
وبعد شرح لمصطلح القبيلة وتطرقه لما قاله علماء الأجناس بأن الروايات عن صلات القربى ما هي إلا تأكيد على نظام سياسي وليست تأكيدا على القرابة، قال : (( والطريف حول نهد في هذا الخصوص أنهم يتصفون بالوضوح حول كثير من هذه القضايا، وفي الحقيقة أن عددا ليس بالقليل من أبناء نهد لا يأخذون النسب مأخذ الجد ويدركون تماما الأهداف السياسية وراء طرحه)) ، و استخلص الباحث في دراسته بأن ( القبيلة هي في المقام الأول تجمع سياسي وليست عشائري بالرغم أن القبائل وفروعها مرتبة حسب تسلسل النسب ، كما يحسب نفوذ القبائل وفروعها على أساس القرابة)).
وأثناء إقامة المؤلف وإعداده لدراسته تبين له أن (( الغالبية العظمى من نهد ليسوا خبراء بالأنساب وإنه لشخص غير عادي ذلك الذي يعرف جميع أو معظم الأسلاف في جيلين سابقين... وهناك بعض الأشخاص الذين يعرفون أو يدعون أنهم يعرفون عدد لا بأس به من الأقارب السالفين، وهؤلاء هم عادة من سريعي البديهة الذين يعرفون كيف يطرحون النسب المناسب في الوقت المناسب )).
ودون المؤلف في كتابة ما سمعه عن سلسلة الأنساب في نهد وقسم نهد إلى أفرع رئيسية جاء بها في كتابه على النحو التالي:
(1) روضان ، (2) المقاريم (3) الضلفان (4) يزيد.
وقال أن هناك اتفاق عام على شجرة السلالة هذه وكذلك بين القبائل المجاورة، وقال (( عادة ما ينظر إلى هذه الفروع الرئيسية الأربعة كعشائر متصلة من جهة الآباء إلا أن الصلة بالجد الأول عموما سواء كان حقيقيا أو مفترضا ليست مؤكدة ولا تبدو ذات أهمية ..)).
وأثناء إقامة المؤلف وتحضيره لدراسته بين عامي 1959-1960م كانت صراعات الزعامات التقليدية في نهد على أشدها حيث لا يخفي البعض من نهد سعيه إلى إلغاء نفوذ أو التشكيك في انتساب البعض لهذا الفرع أو ذاك ، ولهذا فطن المؤلف لذلك وقال (( هناك رأي مشوش حول تفرع البطون، والذي يطرح أحيانا من قبل البعض من نهد، وهو أن التمثيل أعلاه يمثل التحالفات السياسية المستمرة أكثر مما يمثل علاقات القرابة تحديدا)).
ووقف الباحث الانجليزي جون هارتلي في دراسته وقفة المحلل حول سلسلة مشجرات انساب نهد وفخائذها في حضرموت وبين كثيرا من التباين والتناقض في الروايات وشكك في مدى مصداقيتها، لأنها روايات استمدها كما قال (( من أشخاص مهتمين بتحقيق مصالحهم فقط)) . ولهذا كان كلا الطرفين المتصارعين على زعامة نهد يعطي شجرة انساب تختلف عن ما يعطيه الطرف الآخر للمؤلف ، وهناك ملاحظة سجلها المؤلف وهي مهمة وجوهرية حيث لمس من حديث أبناء قبيلة نهد (( بأن الأفخاذ عبارة عن أحلاف سياسية أكثر منها جماعات متحدة في النسب )).
وأمام المستجدات الموجودة على أرض الواقع قام المؤلف بدراسة تكوين ( البيت ) في قبيلة نهد كوحدة جزئية تتكون منها بقية بيوت نهد ، ويعني المؤلف بالبيت كما قال (( البيت هو الوحدة السياسية الأساسية للمجتمع القبلي ، وهو المسئول كمجموعة عن تصرفات أفراده ، ومن حيث المبدأ يمكن أن يلزم الجميع وفق العرف القبلي بكلمة رئيسه، وعندما يقوم أحد الأفراد بانتهاك الأمن أو لا يلبي التزاماته القانونية ، يمكن إنزال العقوبة على البيت ككل أو على الأفراد الموجودين منه، والبيت هو الوحدة الاقتصادية الأساسية بمعنى أنه يتمتع بالحق الجماعي في الأرض ، إذ يتشارك رجاله بنسب مختلفة، وباختصار يمنح البيت للشخص كل الحقوق والواجبات التي تخصه)).
واستطرد المؤلف في تحليله لمفهوم ( البيت ) وتكوينه كوحدة متماثلة وغير متمايزة داخليا ، وبين أن أفراد بيوت نهد لا يملكون الوضوح الكامل عن البناء الفوقي للسلالة ، ويعرف معظم أبناء البيت عن أسلافهم في نفس البيت لخمسة أجيال فقط باحتساب آباءهم وأجدادهم كالجيلين الأول والثاني ، والجيل الخامس هو اسم المؤسس المفترض للفرع.
ثم تناول المؤلف بالدراسة والتحليل أهم البيوت شهرة في بيوت نهد ( آل عقيل ) واتخذه نموذجا لدراسته وفهمه في تكوين البيت وتقسيم أفرعه. ورسم مشجرات لتكوين هذا البيت وسجل معلومات مهمة وموثقة وقال أنه استعان بأعضاء بارزين من هذا البيت من شعراء ورواة للملاحم والأنساب ، وأكد من خلال دراسته أن الإيديولوجية السياسية لنهد تقوم على التجزؤ، أي تعارض واتفاق المجموعات في العمل السياسي وفق تشكيل الفصائل، وأن التجزؤ يبقى إيديولوجية فقط ولا يمكن اعتماده كسمة ثابتة لتفسير الوقائع الفعلية، فمن حيث المبدأ فهناك معارضة متوازنة بين التجمعات المتكافئة وتتداخل التجمعات الواقعة في أسفل ترتيب الفصائل مع التجمعات في أعلى الترتيب.
الباب الرابع ( الحكام القبليون وحدود الاختصاصات ).
وللقارئ غير النهدي يجب معرفة أن الفتن والقلائل والحروب بين أبناء نهد هي التي كانت سائدة قبل أن تبسط بريطانيا نفوذها في حضرموت عام 1939م وحين بدأ النفوذ البريطاني يمتد إلى حضرموت أجبرت القبائل على الدخول في معاهدة صلح بينها من أجل استتباب الأمن وحقن الدماء، فوقعت القبائل مرغمة على تلك الاتفاقيات وبغض النظر عن الثارات العالقة بينها حيث كانت الكفة مرجحة في التفوق لفريق على حساب فريق آخر من حيث قوته الاقتصادية والعسكرية وقوة نفوذه في أوساط كثير من قبائل حضرموت وخارجها، وبعد تم العمل بمعاهدات الصلح بين القبائل ، أخذ الصراع التقليدي بين شيوخ نهد ( الحكمان ) منحى آخر وهو منحى إعلامي ودعائي وكل طرف يسعى لإلغاء وجود وتأثير ونفوذ الطرف الآخر. وتتطرق المؤلف في الباب الرابع بالتفصيل مناطق نفوذ ( الحكمان ومفردها حكم ) في قبيلة نهد وقال (( والحكمان هم الذين يمتعون بكفاءة متفاوتة في حل النزاعات القبلية، ويحسن تفسير مصطلح الحكم بمعناه الوصفي العام للوظيفة (( بمصطلح القاضي )) ولكل بطن من القبيلة حكم يفترض أن يكون كبير أبناء البيت الرئيسي في البطن، ويتم التحدث عن أي من الحكمان كأب للبطن الذي بحسب العرف القبلي يتحمل قسطا من المسؤولية عن تصرفات رجال الجماعات التي تحتكم له ))
أما الأحكام والعقوبات التي تصدر من قبل الحكمان في نهد فيقول المؤلف (( أن أحكامهم غير ملزمة ما لم يكن بإمكان الحكم الضغط على الأطراف لقبوله، وليس لدى الحكم عقوبات رسمية يمكنه فرضها وإن كان بإمكانه استخدام نفوذه الشخصي بين أبناء فخذه ، وقد يتمكن من ممارسة بعض العقوبات الاقتصادية بواسطة أقاربه أو من خلال تحكمه المباشر في الأرض والمياه والغلال في منطقته ..)).
ومن حيث مدى استجابة أبناء نهد لأحكام حكمانهم ( مشائخهم ) يقول المؤلف (( إن تطبيق العقوبات عادة ليس ضروريا أو مرغوبا لضمان تنفيذ قرارات الحكم ولكن أتباع الحكم يدركون ضرورة القرارات من هذا النوع للحفاظ على استقرار حياتهم الاقتصادية، وببساطة أنهم بحاجة للحكم وعلاوة على ذلك فليس من الحكمة أن يقوم شخص أو جماعة بإغضاب الحكم مما قد يحدو به إلى اتخاذ قرارات مضادة في المستقبل تتعلق بالحقوق في الأرض والماء )).
وبين أهمية وشأن ومركز( الحكم ) في منطقته كسلطة ونفوذ وقال حول الإجراءات والعقوبات التي يتبنى تطبيقها الحكم (( إلا أن التفكير في الإجراءات والعقوبات الاقتصادية التي يتبنى تطبيقها الحكم بحق أبناء عشيرته هي عناصر مجردة للقوة، وحتى عند تطبيق العقوبات الاقتصادية فعلى الحكم أن يحذر الإضرار بعدد كبير من أتباعه المقربين التي تعززها حاجة أحدهما الحقيقية للآخر )).
وذكر حكمان بطون نهد وهم:
(1)الحكم بن عجاج ( اسم الفخذ روضان )
(2)الحكم بن ثابت ( اسم الفخذ روضان )
(3)الحكم بن نهيد (اسم الفخذ المقاريم )
(4)الحكم بن شرمان ( اسم الفخذ الضلفان)
(5)الحكم الشبيبي ( اسم الفخذ آل يزيد )
وقال (( باستطاعة الحكم التحكم في عدد من أتباعه المقربين، ولكن ليس بمقدوره بالتأكيد إصدار أوامره إلى كل البطن للقبيلة )).
وقد يمارس نفوذ وسلطان الحكم في نطاق أوسع يتجاوز غالبا البطن الذي ينتمي إليه بل وقبيلة نهد ككل بوصف قاضيا أكثر منه كشيخ محلي ويتجلى ذلك النفوذ فيما يمكن أن تسميته حالات الضرورة القضائية، وتبرز هذه الحالات عند نشوب نزاع بين إتباعهم يهدد استقرار المجموعة وترى ضرورة حسمه ، كما يمكن أن تنشأ تلك النزاعات عن تعارض المصالح الاقتصادية أو الخصومات الشخصية بين الأفراد، ويمكن أن تحدث بين الأفراد من نفس البطن أو من أفخاذ مختلفة أو بين نهد وأشخاص من قبائل أخرى.
ولاحظ المؤلف أن تعدد الخيارات المتوفرة لأبناء القبائل وكذلك للقضاة القبليين إلى تنوع شكل الاختيار القضائي بين بطن وآخر، ويقصد الكاتب بالاختيار القضائي من ناحية المجال المتاح للأفراد لاختيار الحكم الذي سيتناول قضيتهم ومن ناحية أخرى المجال مفتوح للحكمان لاختيار القضايا التي سيتدخلون فيها أو الأطراف التي سيتوسطون بينهم. (( وعموما فللأفراد أو المجموعات الحرية في اختيار قضاتهم، كما أن للقضاة الحرية في اختيار الأشخاص أو الجماعات التي سيقومون بالحكم في قضاياهم..)).
وحول القضايا والنزاعات التي يقضي فيها الحكمين ( بن عجاج وبن ثابت قال المؤلف (( رغم أن الحكمان يستطيعان تناول أي نوع من النزاعات ، إلا أن كل منهما متميز في أنواع معينة منها بالإضافة إلى تلك التي نخص أصحابه ، فالحكم بن عجاج ذو شهرة واسعة لدى القبائل الأخرى كمتخصص في القضايا المتعلقة بالعيب والنقا والقتل وعقد الأحلاف والمعاهدات مع القبائل الأخرى ، كما يعرف عن الحكم بن ثابت أنه مرجع في الحكم في القضايا المتعلقة بالأرض الزراعية والقضايا الخاصة بالمياه )).
وقال أن نهدا والقبائل الأخرى المجاورة تميل إلى طلب النصيحة إذا لم يكن التدخل من الحكم بن عجاج في القضايا المتعلقة بالعيب والقتل، وإلى طلب ذلك من الحكم بن ثابت في الخلافات حول الحق في الأرض والمياه.
آخر تعديل بواسطة nahde ، 04-08-2007 الساعة 01:43 PM.
|