تاجر شقراء محمد بن جاسر من خلال وثائقه التاريخية (1)
بقلم الأستاذ / يوسف بن عبدالعزيز المهنا
هو التاجر الوجيه أبو صالح محمد بن جاسر بن محمد بن جاسر بن عثمان بن عثمان بن محمد بن أحمد بن بجاد من آل بجاد من آل راجح من الوهبة من بني تميم(1) ولد في بلدة أشيقر بعد منتصف القرن الثالث عشر الهجري نشأ وتربى في كنف والده وتعلم في كتابها وأتقن الكتابة والقراءة ودرس مبادئ العلم ثم انصرف للبيع والشراء وكان والده من تجار أشيقر المشهورين فاكتسبها منه وورثها عنه ثم أخذ يتردد على شقراء للتجارة كل يوم، يصل نهاره بليله وصباحه بمسائه بعزم ونشاط فكان دائب السعي، كثير العمل، بعيد الهمة، نابه الذكر، لا يعرف دعة، ولا تفوته فرصة. ولما رأى أنه لابد له من الاستقرار في شقراء انتقل إليها مع أخويه في حدود سنة 1290ه تقريبا واكترى دارا في حي النبهانية "المبهنية" واتخذ دكانا في سوق المجلس أكبر أسواقها آنذاك وأهمها.
وكان في أوج نشاطه وقوته. فاتسعت تجارته وكثر تعامله وبيعه وشرائه وهيئ الله له من أسباب الرزق ونمائه ما لم يكن لغيره فأقبل عليه الناس وأحبه الجميع فذاع صيته وانتشرت سمعته وفشا ذكره وسار به الركبان وعرف بالصدق، واشتهر بحسن المعاملة، ودماثة الخلق، وكرم النفس، والتسامح وانظار المعسر حتى أصبح من كبار التجار الذين يشار إليهم بالبنان. وقد انتقل إلى شقراء وسكنها للتجارة ونحوها أفراد من أسر أشيقر منهم عثمان ومحمد آل بجادي وكذا من آل فريح وآل خراشي وآل مسند وآل مفدى وال شنيبر وغيرهم وكانت شقراء آنذاك مركزا تجاريا هاما في نجد وبها سوق رائجة وتجارة واسعة وكثير من التجار الذين لهم شهرتهم من معاصري محمد بن جاسر كعبدالعزيز بن إبراهيم آل جميح وعمر وصالح العبدالله آل مقرن ومحمد بن علي الصبي وصالح بن حمد بن شريم وعبدالرحمن بن عبدالعزيز آل عبدالكريم وابن عمه عبدالعزيز بن عبدالكريم آل عبدالكريم وعمر بن مطلق الشريهي وعبدالله بن مطلق الشريهي وابراهيم بن فهد بن سدحان وعبدالرحمن بن منيع والشيخ علي بن عبدالله بن عيسى وأخيه عبدالعزيز وعبدا لله بن محمد السبيعي ويوسف بن محمد بن نافع ومحمد ابوأحمد العيسى وسعد بن محمد بن صالح وغيرهم من تجار شقراء البارزين.
وكانت قوافل الوشم التجارية آنذاك تنطلق من شقراء للإحساء والكويت والعراق وغيره لجلب الأرزاق وشراء السلع والبضائع وكافة ما يحتاجه أهل نجد فكانت هذه القوافل أو مايسمى عند أهل نجد بالحدرة لها لوائها وأميرها وترتيباتها الخاصة من الحرس والحماية "الرفق" وأخذ الاحتياطات اللازمة والاحتياجات الضرورية ويتولى حماية الحملة وحفظها أهل مئة من الإبل من حملة السلاح تسمى المردوفة وكثيرا ماتتعرض هذه القوافل التجارية لأطماع بعض القبائل فتعترضها وتقطع الطريق عليها كما حصل في وقعة الفروق ووقعة خب الرضم وغيرها.
وكان أمير الحدرة في الاولى عبدالرحمن بن جماز "شويمي" وفي الثانية صالح بن مقرن رحمهم الله وكانت الدائرة في هاتين الوقعتين على أعدائهم. ولأهمية هذه القوافل وضرورة حمايتها فقد كانت محل اهتمام الدولة وعنايتها جاء في رسالة من الملك عبدالعزيز رحمه الله مؤرخة في 1335/7/8ه لمسؤلي الدولة الانجليزية في العراق أو الخليج بطلب تسهيل أمر حدده أهل الوشم وتزكية أميرها صالح بن مقرن وانه من الثقات المعروفين. وكان رحمه الله من مشاهير تجار شقراء ويتصف بالحزم والشجاعة والذكاء وغيرها من الصفات التي تؤهله لتولي إمرة هذه الحملات التجارية وغيرها.
ونص الرسالة: من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه من طوارف الدولة البهية الانجليزية. بعده من خصوص صالح بن عبدالله بن مقرن أمير حدرة أهل الوشم ماقلط فيه فهو إن شاء الله رجل مؤتمن ومن خاصية محسوبيننا يكون معلوم. الختم والتاريخ(2)
كان لابن جاسر رحمه الله دور بارز وأثر فاعل في الحركة التجارية والاقتصادية في شقراء والوشم بعامة وله علاقة قوية وتبادل تجاري واسع مع تجار وقته شرقا وغربا في الحجاز ونجد والإحساء والكويت والعراق والشام وغيرها. وكان شريكه في تجارته أخواه عبدالله وعبدالرحمن ولهم عقارات وأملاك في شقراء وأشيقر وغيرها من بلدان الوشم وسدير بل وحتى البصرة في العراق كما هو مثبت في وثائقهم التي أطلعني عليها لدراستها والإفادة منها شاكرا له حسن ظنه وثقته بي حفيده الشيخ محمد بن عبدالعزيز الجاسر متع الله به.
حظي أبن جاسر بثقة الملك عبدالعزيز رحمه الله وله معه مراسلات كثيرة لطلب تأمين بعض المواد الأساسية من غذاء ولباس وسلاح وغيره فكان يقوم به على أحسن وجه وأتمه. وقد يكتب لبعض التجار في شقراء فيذكره معهم وقد يخصه لوحده.
جاء في رسالة مؤرخة في 20ربيع الأول سنة 1322ه لبعض تجار شقراء منهم ابن جاسر مانصه: "من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى جناب الإخوان الكرام محمد أبو أحمد وعبدالعزيز بن عبدالكريم ومحمد بن جاسر البجادي وسعد بن محمد بن صالح سلمهم الله تعالى من كل شر آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام ثانيا وصّونا جماعة أهل بريدة نكتب لكم تشترون لهم فشق(3) لأنهم بحاجة فحين وصول الخط اليكم جميع ماتجدونه في شقراء من الفشق اشتروه لازم وعرفونا في قيمته ونحط لكم عليها فايدة العشر احد عشر وقيمتها لازمة وجهي نقبضها منهم وندفعها لكم وتحولون علينا فيها وانتم لاتذخرون فشقة واحدة لازم لازم ليكون معلوم والسلام". الختم(4).
وفي رسالة أخرى من الإمام عبدالعزيز رحمه الله لبعض تجار شقراء ومنهم ابن جاسر تفيد بوصول الزهبة - ذخيرة السلاح - المرسلة منهم وتفيد إرساله حوالة باسم عبدالعزيز بن عبدالكريم(5) على الشيخ مبارك، وفيها الأمر بشراء مايجدونه من ذخيرة في شقراء وإرساله على وجه السرعة، وكانت شقراء مشهورة بتجارة السلاح وفيها من يعنى به وبجمعه من الحجاز والإحساء والكويت والعراق وغيرها للحاجة الملحة له وللصراعات القائمة في المنطقة آنذاك، ذكر محمد أسد رحمه الله في كتابه الطريق إلى مكة المهمة التي كلفه بها الملك عبدالعزيز لأجل البحث والتحري عن مصدر السلاح لبعض المناوئين له وهي مهمة تنطوي على مخاطرة شخصية وتتطلب بذل جهد كبير. وكان ذلك سنة 1347ه قال:
"بدا لي أن أفضل بداية يجب أن تكون من إحدى المدن وسط نجد حيث يوجد الكثير من التجار الذين لهم علاقات تجارية بكل من العراق والكويت وأخيرا استقر رائي على مدينة شقراء حاضرة منطقة الوشم وهي على مسير ثلاثة أيام من الرياض وهناك أيضا يمكن أن يساعدني صديقي عبدالرحمن السبيعي وكان في ذلك الوقت مسؤول بيت المال للدولة. قال وكان عبدالرحمن في أعوام سابقة يعمل بالتجارة بين نجد والعراق وكان معروفا لدى تجار البصرة والكويت ولم يكن من الصعب دفعه إلى الحديث عن تلك الأماكن وعن الذين قدموا مؤخرا منها. ثم ذكر لقائه عند السبيعي بعبدالله العبدالرحمن البسام تاجرعنيزة المشهور وما دار بينهما من حديث وذكر عنه" أنه لم تقتصر خبرته أي ابن بسام في الحياة على منطقة نجد بل شملت القاهرة وبغداد والبصرة والكويت والبحرين وبومباي يعرف كل من له شأن في تلك البلاد ولديه معلومات عن كل ما يجري في البلاد العربية، وخلص محمد أسد من مقابلتهما بأن مصدر السلاح للمناوئين كان عن طريق الكويت فذهب إلى هناك لتقصي المعلومات والسؤال عمن يقف وراء هذا التمويل(6)
وفي هذه السنة التي حضر فيها محمد أسد إلى شقراء لهذه المهمة أي سنة 1347ه أرسل الملك عبدالعزيز للسبيعي خطابا يأمره بشراء سلاح وذخيرة. . . ونص الرسالة: بعد البسملة:
من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى من يراه من طوارفنا (7) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد ذلك من طرف خادمنا عبدالرحمن السبيعي أرخصنا له يشتري سلاح وزهبة ولا معارض له في ذلك ومن طلب منه رجاله المساعدة فيساعده يكون معلوم. الختم 1347/3/23ه (8) وهناك رسائل كثيرة في هذا المعنى وفي نفس السياق من الملك عبدالعزيز لبعض تجار شقراء لطلب شراء سلاح ومواد تموينية ولباس ونحوه ليس هذا مجال ذكرها.
وقد كان لمحمد بن جاسر علاقة قوية بعبدالله البسام وهو من مشاهير تجار نجد في وقته ويحظى بثقة الدولة وله معها علاقات وطيدة.
كتب الإمام عبدالرحمن الفيصل خطابا مؤرخا في 19صفر 1322ه لمحمد بن جاسر في شقراء جاء فيه:
"من طرف عبدالله بن عبدالرحمن البسام وحمولته إذا بدا لهم لازم على يدكم إرسال خطوط صادرة أو واردة أو تحويل دراهم لا توقف في لازمهم ولا تحاذر من شئ لان لازمهم لازم لنا والذي يلزم عليهم لازم علينا".
وكان بين ابن بسام والمترجم له علاقة قوية وثابتة ووبين تجارعنيزة وشقراء تبادل تجاري واسع وعلاقات تجارية مشهورة كانت على قدر كبير من الصدق والنزاهة والثقة المتبادلة، ومن ذلك أن ابن بسام أرسل لمحمد بن جاسر خطابا مع رجل يطلب منه شراء 1000ألف رأس من الإبل بكامل مستلزماتها وما تحتاجه فقام بشرائها وتأمينها بكاملها وأرسلها له في مدة محدودة. ولاشك أن تأمين هذا العدد من الإبل وبكل مايتبعها أمر ليس باليسير لا من حيث العدد أو مبالغها المالية ولولا ثقة ابن بسام في قدرات ابن جاسر المادية وعلاقاته التجارية وثقة الناس به لما أوكل إليه هذه المهمة الكبيرة التي تعد صفقة تجارية خطيرة آنذاك(9) كما أن له أيضا اتصال ببعض علماء وتجار الرياض وله معهم رسائل ومكاتبات تجارية وشخصية ونحوها تنم عن علاقة حسنة وتعامل تجاري نزيه.
من ذلك رسالة من الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ(10) بخط يده رحمه الله لابن جاسر هذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله بن عبداللطيف إلى جناب الأخ المكرم الاحشم محمد بن جاسر البجادي سلمه الله تعالى وتولاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد موجب الكتاب إبلاغ السلام والسؤال عن الأحوال وأحمد إليكم الله الذي لا اله إلا هو على نعمه والخط الشريف وصل وصلك الله إلى رضاه وسرنا سلامتكم وعافيتكم ومن طول هالمدة وناصر ينتظر سنع يجيه لكم ولاجاه شئ ويوم جاء خطكم الثاني أنكم تحولون علينا ونسد الحوالة جاء إبراهيم بن سدحان الكفيف ومعه مائة وأربعة عشر ريالا وأخذناها حوالة على جنابكم تسدونها له جزيتم عنا كل خير امقابلة الذي في عنيزة وبسدادكم له يكمل الواصل إلينا مائة وأربعة وستون ريالا والرجاء إبلاغ السلام العيال الأخوان ومن لدينا الأخوان والعيال يسلمون وأنت سالم والسلام. 23/رجب 1322ه الختم (11).
المصدر